Thursday, 21 April 2011

الاختلاف في تعريف البدعة وأثره في حكم ذكر المولد النبوي على صاحبه الصلوة والسلام

بسم الله والحمد لله والصلوة والسلام على رسول الله

ظهر منهجان بين العلماء في تعريف البدعة وتطبيقها ويمكن لنا أن نسمي المنهج الأول "المنهج الشافعي" والثاني "المنهج المالكي" لكون أصل المنهجين منهما وإن لم يكن المنهج المنسوب إلى أحد هذين المذهبين على وجه كلي بل أكثري

المنهج الشافعي

عند الشافعي - كما نقل البيهقي بإسناد صحيح - البدعة وهي عُرِّف بكل ما أُحدث بعد زمن النبي عليه السلام تنقسم إلى قسمين: قسم ممدوح وهو ما يوافق الشريعة وقسم مذموم وهو ما يخالف الشريعة. ومبنى هذا المنهج هو قول عمر رضي الله عنه "نعمت البدعة هذه" فى التراويح التي صُلِّيَت لأول مرة في عهده فى اجتماع كبير واحد على أن قبله صليت فرادى أو في اجتماعات صغيرة

هذا يدل عند الشافعي ومن اتبع منهجه كالعز بن عبد السلام والنووي أن البدعة المنكرة مخصوصة بالبدعات التي تعارض نصوص الشريعة أو أصولها كمذهب القدرية لخلافه نصوص القرآن وكاتخاذ العوام الأشجار سببا للشفاء والبرء لمنعه النبي في حديث ذات الأنواط - أنظر للكلام في هذا فى "الباعث على إنكار البدع والحوادث" لأبى شامة الشافعي الذى اتبع هذا المنهج في كتابه بتقسيمه البدعة إلى المستحسنة والمستقبحة. ومن الذين ينتمون إلى هذا المنهج علماء كابن رجب والعسقلاني الذين اقتصروا جواز إطلاق "البدعة" لما هو مذمومة منها ولا يُطلق البدعة عندهم لما هو محمودة منها إلا من جهة اللغة

وهذا المنهج يسمح في تخصيص الأعمال التي تراد بها الثواب الثابتة فى الشريعة بالأوقات الخاصة والأماكن الخاصة التزاما وإن لم يكن فيه دليل خاص لشموله فى عمومات الشريعة. فعلى هذا استحسن أبو شامة في كتابه المذكور ذكر المولد النبوي ما كان خاليا من منكرات الشريعة لكونه مجتمع الخيرات الثابتة في عمومات الشريعة كإطعام الطعام وقراءة القرآن والتذكير بأيام الله وإن كان في يوم وشهر معين. نعم لو كان فيه ما ينكر فى الشرع أو اعتُقِد وجوبه أو اعتقد كونه ثابتا في هذا الوجه الخاص من فعل النبي عليه السلام فهذا بدعة منكرة حتى في هذا المنهج السامح

"المنهج المالكي كما حققه وشرحه الشاطبي المالكي في كتابه "الاعتصام

في هذا المنهج لا ينقسم البدعة إلى الأقسام بل الحديث الذي فيه "كل بدعة ضلالة" يحمل على عمومه فالبدعة كلها منكرة لا خير فيها. وتعريف البدعة فيه هو الإتيان بكل ما يراد به الثواب والتدين على وجه لم يأت به النبي عليه السلام ولا أصحابه وسببه كان موجودا في زمنهم. ويدخل في هذا التعريف تخصيص العمل الصالح الذي فعله النبي عليه السلام أو استحسنه بوقت أو مكان خاص بدون دليل خاص على وجه الالتزام لا بسبب الفراغ أو النشاط فإنه لو أُتي به بسبب الفراغ أو النشاط أو لوجود الفرصة ما كان بدعة ولا بأس به

فمثلا لو فُعِل الدعاء الاجتماعي بعد الصلوات المكتوبة أحيانا لسبب وجود الفرصة فلا بأس به في هذا المنهج لثبوت شرعيته فى الحديث ولكن لو فُعِل التزاما واستمرارا في ذلك الوقت المعين كما هو معروف في بعض بلاد المسلمين فذلك بدعة عند الشاطبي في كتابه "الاعتصام" لأنه يصار إلى خروج العمل من حده الثابت فى السنة النبوية; ومع هذا فى المنهج الشافعي المذكور آنفا يدخل هذا العمل في عمومات الشريعة في استحسان الدعاء الاجتماعي فلا بأس به على وجه الالتزام في هذا الوقت الخاص ولا بسبب وجود الفرصة ما لم يُعتقد كونه من فعل النبي عليه السلام أو واجبا أو عدم جوازه في غير هذا الوقت

وكذلك ذكر المولد الذي هو عبارة عن الأعمال الخاصة في شهر خاص لم يفعله النبي عليه السلام ولا أصحابه والسبب الداعي إليه وهو إظهار المحبة للنبي عليه السلام كان موجودا في زمنهم فهو بدعة في هذا المنهج المالكي ولذا كرهه الشاطبي وغيره من المالكية

وفي هذا المنهج مستثنيان: أولا لو حدث سبب جديد كالحاجة الداعية إلى جمع القرآن أو الحاجة إلى جمع الاجتماعات المتفرقة للتراويح فتنفيذه يسمى "مصلحة" وهي من السنة لا البدعة لأن السبب الداعي إليه لم يكن موجودا في زمن النبي عليه السلام فالعمل به مستخرج من مقتضيات الشرع. ففي مثال جمع القرآن لم يكن إليه حاجة في وقت استمرار نزوله من السماء والحاجة إليه ظهر لأبي بكر وعمر بعد وفاة النبي عليه السلام. وفي مثال جمع اجتماعات التراويح لم يُفعل في زمن النبي عليه السلام لخوفه كونه فرضا بالوحي كما جاء فى الحديث فلما زال هذا المانع فِعْله في كل رمضان وفى اجتماع كبير صار مصلحة ممتدة من سنة النبي عليه السلام

والثاني الوسائل التي احتيجت إليها بعد زمن النبي وأصحابه لإبقاء مقتضيات الشرع كدرس النحو وتدوين الحديث وبناء المدارس كلها واجبة على الأصل الشرعي "كل ما يتوسل به إلى الواجب واجب" والأصل "للوسيلة حكم المقصود" اللذان ثابتان من تعليلات النبي عليه السلام للأحكام الشرعية

كل ما دخل تحت هذين المستثنيين يجوز تسميته بدعة من حيث اللغة فقط لا من حيث اطلاقات الشرع. فالأولى ترك إطلاق "البدعة" لها وتسميتها واجبة أو سنة

هذا خلاصة الكلام في هذا الباب ولعله سبب استحسان كثير من الشافعية عمل المولد كأبي شامة والعسقلاني - كما نقل السيوطي فى "الحسن المقصد" - والسيوطي وسبب كراهته كثير من المالكية كالفاكهاني وابن الحاج والعليش

وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

زميل الرحمن

1 comments:

  1. As-Salāmu `Alaykum

    I though this Loonwatch article might interest you; it completely destroys the claim that Jesus disapproved of Old Testament violence.

    http://www.loonwatch.com/2011/04/jesus-loves-his-enemies-and-then-kills-them-all/

    ReplyDelete